الآلوسي

154

تفسير الآلوسي

على غير هذا القول من الأقوال ، وقيل : الكتاب المكنون قلب المؤمن وهو كما ترى . وقيل : المراد من كونه في كتاب مكنون كونه محفوظاً من التغيير والتبديل ليس إلا كما قال تعالى : * ( وإنا له لحافظون ) * والمعول عليه ما تقدم ، وجوز تعلق الجار بكريم كما يقال زيد كريم في نفسه ، والمعنى إنه كريم في اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريماً عند الكفار ، والوصفية أبلغ كما لا يخفى ، وقوله تعالى : * ( لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) * . * ( لاَّ يَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) * إما صفة بعد صفة لكتاب مراداً به اللوح ، فالمراد بالمطهرون الملائكة عليهم السلام أي المطهرون المنزهون عن كدر الطبيعة ودنس الحظوظ النفسية ، وقيل : عن كدر الأجسام ودنس الهيولى والطهارة عليهما طهارة معنوية ، ونفى مسه كناية عن لازمه وهو نفي الاطلاع عليه وعلى ما فيه ، وإما صفة أخرى لقرآن . والمراد بالمطهرون المطهرون عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر بحمل الطهارة على الشرعية ، والمعنى لا ينبغي أن يمس القرآن إلا من هو على طهارة من الناس فالنفي هنا نظير ما في قوله تعالى : * ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) * ( النور : 3 ) وقوله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه " الحديث وهو بمعنى النهي بل أبلغ من النهي الصريح ، وهذا أحد أوجه ذكروها للعدول عن جعل - لا - ناهية ، وثانيها : أن المتبادر كون الجملة صفة والأصل فيها أن تكون خبرية ولا داعي لاعتبار الإنشائية وارتكاب التأويل ، وثالثها : أن المتبادر من الضمة أنها إعراب فالحمل على غيره فيه إلباس ، ورابعها : أن عبد الله قرأ ما يمسه وهي تؤيد أن لا نافية وكون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام مروى من عدة طرق عن ابن عباس ، وكذا أخرجه جماعة عن أنس . وقتادة . وابن جبير . ومجاهد . وأبي العالية . وغيرهم إلا أن في بعض الآثار عن بعض هؤلاء ما هو ظاهر في أن الضمير في * ( لا يمسه ) * مع كون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام راجع إلى القرآن . أخرج عبد بن حميد . وابن جرير عن قتادة أنه قال : في الآية ذاك عند رب العالمين لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس ، والمنافق الرجس ، وأخرجاهما . وابن المنذر . والبيهقي في المعرفة عن الحبر قال : في الآية الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة ، ويشير إليه ما أخرج ابن المنذر عن النعيمي قال : قال مالك : أحسن ما سمعت في هذه الآية * ( لا يمسه إلا المطهرون ) * أنها بمنزلة الآية التي في عبس * ( كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره * في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة ) * ( عبس : 11 - 16 ) وكون المراد بهم المطهرين من الأحداث مروى عن محمد الباقر على آبائه وعليه السلام . وعطاء . وطاوس . وسالم . وأخرج سعيد بن منصور . وابن أبي شيبة في " المصنف " . وابن المنذر . والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال : كنا مع سلمان - يعني الفارسي - رضي الله تعالى عنه فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا فخرج إلينا فقلنا لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن ؟ فقال : سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا * ( لا يمسه إلا المطهرون ) * ، وقيل : الجملة صفة لقرآن ، والمراد - بالمطهرون - المطهرون من الكفر ، والمس مجاز عن الطلب كاللمس في قوله تعالى : * ( أنا لمسنا السماء ) * ( الجن : 8 ) أي لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر ، ولم أر هذا مروياً عن أحد من السلف ، والنفي عليه على ظاهره ، ورجح جمع جعل الجملة وصفاً للقرآن لأن الكلام مسوق لحرمته وتعظيمه لا لشأن الكتاب المكنون ، وإن كان في تعظيمه تعظيمه . وصحح الإمام جعلها وصفاً للكتاب - وفيه نظر - وعلى الوصفية للقرآن ذهب من ذهب إلى اختيار تفسير المطهرين بالمطهرين عن الحدث الأكبر والأصغر . وفي " الأحكام " للجلال السيوطي استدل الشافعي بالآية على منع المحدث من مس المصحف وهو ظاهر في